تعظيم بيوت الله
الحلقة الثانية
الملصقات في المساجد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إكمالا لما سبق في شأن تعظيم بيوت الله تعالى نذكر اليوم مسألة أُحدثت في بيوت الله تعالى في السنين المتأخرة، ولم تكن معروفة قبل سنوات فضلا عن أن تعرف عند السلف الأولين. وهي مسألة ملء المساجد بالملصقات والدعايات والإعلانات ونحوها.

ابتداء بالملصقات المزخرفة الملونة التي يشمل بعضها على صور مثل كيفية تعليم الصلاة والوضوء والحج بالصور، أو صور الأعمال السحرية والتعاويذ الشركية، أو صور القبور ونحو ذلك، ومرورا بمجلة المسجد، وإعلانات المراكز الصيفية والمهرجانات الإنشادية ودورات البرمجة العصبية، ولوحات تسمية الحلق بأسماء الأعلام، ولوحات تذكير الناس بالأذكار وهذه تكون في القبلة، وانتهاء بإعلانات المحاضرات سواء للعلماء أو القصاص.

فهذه الملصقات أمر محدث منكر، وقد نهى عنه مالك وغيره كما تقدم، ونهى عنها علماؤنا كما سيأتي، والسلف أنكروا كثيرا مما يحدث في المساجد ولم يقولوا: وسائل العبادة لا يدخلها الابتداع - وتقدم نماذج من ذلك -

وهذه الملصقات إن كان فيها مصالح ففيها مفاسد وإثمها أكبر من نفعها. فمن مفاسدها ما يلي:

1. هذا أمر قام سببه وانتفى مانعه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم، وهو يسير عليهم لو أرادوه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وكفى بنا إزراء على قوم وزهدا فيهم وفي طريقتهم أن نخالف أفعالهم وهديهم.

2. أن فيه إهانة لبيوت الله التي أمر أن ترفع، وليس هذا من تعظيم شعائر الله، حتى أصبحت كثير من المساجد تشبه الأسواق والأماكن العامة، ولو قيل لإمام المسجد سنضع هذه الملصقات في مجلسك لرفض، فبيوت الله أولى بالتعظيم.

3. أن هذا الباب لما فُتح تجرأ الناس على المساجد وهانت عندهم، حتى حصلت أمور عجيبة من الجرأة على المساجد بعد أن كانت مُهابة محترمة معظمة، وقد وقفت بنفسي على إمام يطفئ الأنوار في رمضان ثم يعرض على المصلين ما يشبه السينما، عن طريق جهاز العرض (البروجكتر) وعمله هذا يعمله في المسجد بين التراويح والوتر، وحُدِّثتُ عن مسجد في الرياض وُضعت فيه لعبة تنس الطاولة، ولعبة (الفرفيرة) وهي لعبة فيها تماثيل يتقاذفون فيها الكرة، ورأيت كثيرا من المساجد كثُرت فيها بين الصفوف الممرات الطولية والعرضية ولم يبق إلا الكراسي وتكون كالكنائس، وأشياء لا يصدقها العقل والليالي حبالى بالعجائب فهل من قومة لله صادقة لزجر السفهاء عن التعدي على بيوت الله، وسدِّ كل الذرائع الموصلة لذلك.

4. أنها فتحت باب التجارة في المساجد (لا أربح الله تجارة من فعل ذلك) فكم من كلمة خير ملصقة فإذا قرأتها وجدت عبارة (كذا نسخة بكذا على الرقم الفلاني) بل قد قرأت في مسجد عنوانا لمحاضرة في مدرسة وكُتب تحتها (الدخول بكذا).

5. أنها أدخلت الصور للمساجد وهو منهي عنه كصور تعليم الصلاة ونحوها.

6. أنه ينفق عليها من تبرعات المسلمين الأموال الطائلة، وتقدم كلام ابن مسعود فيمن نقش المساجد أنه أنفق مال الله في معصيته فكيف لو رأى هذه الامور.

7. أنها لا تخلو من زور أو لغو في المسجد، كما يكون فيما يسمى (مجلة المسجد) من نكت وطرائف كذب، أو تسمية بعض أهل الأهواء والقصاص بالعلماء والمشايخ تلبيسا على الناس، وغشا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يخلو بعضها من أحاديث موضوعة وأذكار لم تثبت، وفتاوى مخالفة، وغير ذلك. ولو تكلم واضعها بها على الملأ لوجد من ينكر عليه، وأما لو وضعها في ورقة وألزقها بالمسجد لقلّ المنكِر إما عجزا وإما تواكلا واتسع الشق على الراقع.

8. أنها جعلت المساجد مكانا للإعلانات من كل نوع ولم تعد تقتصر على الأمور الدينية، فمراكز الأحياء والمدارس وإعلانات الوفاة وتبرئة الذمة والبحث عن ضالّة والإعلان عن لُقَطة وغير ذلك وَجدَت في المساجد مكانا لها.

9. أنها أماتت كثيرا من السنن فكثير من الأئمة لم يعد يعظ جماعته ويذكرهم وإذا رأى بدعة أو منكرا لم ينبههم اكتفاء بما يضعه من الملصقات التي قد لا يقرؤها إلا عشرهم أو أقل من ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ أراد تنبيه الناس على أمر قال لهم كما أنتم على مصافكم، ثم أخبرهم، فهذه هي السنة.

10. أنها تشغل المصلين خاصة ما يضعونه من الأذكار أو الآيات او أسماء الحلق في جهة القبلة.

11. أنها قد تحتوي على آيات وأحاديث ثم تسقط أو ترمى أو تهان، وتقدم نهي مالك عن كتابة القرآن في القراطيس.

12. أنها قد تسبب زحاما على الأبواب إن كان فيه أمر غريب أو صور فتضيِّق على المسلمين، وإما إن كانت آيات وأحاديث فما أقلَّ من يلتفت لها.

13. أنها قد تحوي على متشابه أو أمر مشكل أو خطأ فيقرؤه العامي فيظنه صحيحا ثم ينقله فيطير في الآفاق.

14. وأخف ما في هذه الملصقات الإعلان عن دروس العلماء وهذه يمكن أن تكون من الإمام شفويا أو في وسائل الإعلام المتنوعة. ولا تُلزَق سدا لذريعة التوسع فيها لا سيما وقد رأَيت بعض مفاسدها.

وقد سألت بنفسي الشيخ صالح الفوزان عن هذه الملصقات فنهى عنها كلها حتى إعلانات الدروس وأسماء الحلق. وحدثني بعض طلبة الشيخ محمد صالح العثيمين أنه كان يتتبعها في مسجده وينزعها. ونهى عنها غيرهم من العلماء.وصلى الله على عبده ورسوله محمد.


*** الشيخ: عبد الرحمن الحجي