الحمد لله الذي خلق الماء والهواء ، وما في الأرض والسماء ، والصلاة والسلام على خير الأنبياء ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :

فإن نوعاً من الحروب الخفية بدأت تظهر على السطح ، وتبرز في المحافل ، وتطل برأسها في المجامع ، تتجاذبها المصالح ، وتتنازعها المطامع ، وتشتغل بها الندوات والمنتديات ، وتتناقلها الأخبار ، وتبحث فيها التقارير !!
إنها الحرب الموسومة ( بحرب المياه ! )

فكم هو الصراع محتدم بين دول الشام والهلال الخصيب على أنهار دجلة والفرات وصفد والعاصي وغيرها من أنهار الشام الحبيب والهلال الخصيب ؟
وكم هو النزاع شديد بين الدول الأفريقية التي ينطلق منها ويصب فيها ويعبر من أراضيها نهر النيل الجميل ؟

فكلُّ دولة ترغب أن يكون لها نصيب الأسد من خيرات تلك الأنهار ، سواءً فيما تشربه من مياهها ، أو لتوليد الطاقة الكهربائية منها ، أو ما تحتاجه من الزراعة والصناعة على ضفافها ، أو ما فيها من ثروات سمكية ، أو ما تناله منها من مكتسبات سياحية ، أو حتى ما تلقيه فيها من نفايات كيميائية أو جرثومية أو ملوثات بيئية ، أو غير ذلك مما فيه منفعة العباد والبلاد .

فإذا كان هو حال الدول التي حباها مولاها بهذه الأنهار تجري فيها ، فكيف يكون حال من لا أنهار ولا مياه عذبة تستقي منها ؟!

ولذا فإن أشد ما تعانيه الكثير من البلاد هو الجفاف الذي يأكل الأخضر واليابس و يضرب بأطنابه في نواحيها ، مما يؤول إلى هلاك الزرع وجفاف الضرع وقلة الموارد وندرة المحاصيل ، ويزيد في بلائها ولاوائها قلة أمطارها وانحباس السماء بالماء عنها .

قال تعالى :[ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ]
مع أن الحقيقة الشرعية تقول بأن الأمطار في كل عام تنزل بكمية متساوية من السماء على هذه الأرض ، ويكون توزيعها على أقطارها بما قضى بها الله لكلِّ بلد ، ولا يظلم ربك أحداً .

فعن ابن عباس ـ ـ قال : قال رسول الله ـ :" ما مِن عامٍ بِأكثَرَ مَطَراًَ مِن عامٍ ، ولكنَّ الله يُصَرِّفُهُ بينَ خَلقِهِ حيثُ يشاءُ ، ثم قرأ :[ ولقد صرَّفناه بينهم ليذكَّروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ] " 1

فالله تعالى يصرفه لمن يشاء ويصرفه عمّن يشاء ، وله في كلِّ تقدير وتدبير حِكمٌ بالغة ، أكثر الناس عنها غافلين ، وعن رحمة الله معرضين ، ولو أن تعرَّضوا لرحمته لرزقهم من حيث لا يحتسبون ، ولاغناهم من حيث لا يشعرون ، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ولا يهتدون سبيلا ؟!

والحقيقة الشرعية الثانية في موضوعنا هذا تخبر بأن الماء سيتجه إلى جزء من الأرض ، وتغور المياه في نواحي الدنيا ، لتنسكب إلى مكان معلوم في زمن معلوم ، ويصيب الناس من ذلك بلايا لا يطيقون لها احتمالا ، ولا يملكون لها منعاً ، ولا يستطيعون لها دفعاً !

فتأمل معي قول من لا ينطق عن الهوى ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أخبرنا بحقيقة دقيقة خفية لا يعلمها إلا من خلق الكون وسواه ، ويعلم مستقرَّه ومنتهاه .

فعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" يُوشِكُ أن تطلبُوا في قُراكُم هذه طَستاً مِن ماءٍ فلا تَجدونَهُ ، يَنزَوي كلُّ ماءٍ إلى عُنصُرِهِ ؛ فيكونُ في الشامِ بَقيَّةُ المؤمنينَ والماءُ " 2
وهذا الحديث يؤيده الواقع الذي ليس له دافع ، فمن سنن الله الكونية أن الماء ينزل من الشواهق والعلو إلى الأسافل والدنو ، ولقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك والريبة ؛ أن أدنى منطقة في العالم تحت مستوى البحر هي منطقة الشام ، وصدق القائل ـ سبحانه : [ ألم . غلبت الروم . في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ... الآيات ] 3


فلا تعارض بين العقل الصحيح والنقل الصريح ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، فتباً لمن هم عن آيات الله معرضون
----------------------------------------------------------------

1 أخرجه ابن جرير في التفسير ، والحاكم في المستدرك والبغوي في معالم التنزيل ، انظر : السلسلة الصحيحة (5/592 ) (2461 ) .
2 أخرجه الحاكم في المستدرك ، انظر : السلسة الصحيحة (7ـ1/210 ) (30788 ) .
3 الروم : 2